الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
140
مختصر الامثل
يلفت النظر أنّ الآية الكريمة عبرت عن المال بكلمة « خير » فقالت : « إِن تَرَكَ خَيْرًا » . وهذا يعني أنّ الإسلام يعتبر الثروة المستحصلة عن طريق مشروع ، والمستخدمة على طريق تحقيق منافع المجتمع ومصالحه خيراً وبركة . هذا التعبير يشير ضمنياً إلى مشروعية الثروة ، لأنّ الأموال غير المشروعة ليست خيراً بل شرّاً وبالًا . تقييد الوصية « بِالْمَعْرُوفِ » إشارة إلى أنّ الوصية ينبغي أن تكون موافقة للعقل من كل جهة ، لأنّ « المعروف » هو المعروف بالحُسْنِ لدى العقل . يجب أن تكون الوصية متعقلة في مقدارها وفي نسبة توزيعها ، دون أن يكون فيها تمييز ، ودون أن تؤدّي إلى نزاع وانحراف عن أصول الحق والعدالة . حين تكون الوصية جامعة للخصائص المذكورة فهي محترمة ومقدسة ، وكل تبديل وتغيير فيها محظور وحرام . لذلك تقول الآية التالية : « فَمَن بَدَّلَهُ بَعْدَ مَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدّلُونَهُ » . ولا يظنن المحرفون المتلاعبون أنّ اللَّه غافل عما يفعلون ، كلّا « إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ » . ولعل هذه الآية تشير إلى أن تلاعب « الوصي » ( وهو المسؤول عن تنفيذ الوصية ) لا يصادر أجر الموصي . فالموصي ينال أجره ، والإثم على الوصي المحرّف في كمية الوصية أو كيفيتها أو في أصلها . بيّن القرآن فيما سبق الأحكام العامة للوصية ، وأكد على حرمة كل تبديل فيها ، ولكن في كل قانون استثناء ، والآية الثالثة من آيات بحثنا هذا تبين هذا الاستثناء وتقول : « فَمَنْ خَافَ مِنْ مُّوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ » . الاستثناء يرتبط بالوصية المدونة بشكل غير صحيح ، وهنا يحق للوصي أن ينبه الموصي على خطئه إن كان حياً ، وأن يعدّل الوصية إن كان ميتاً . عبرت الآية « بالجنف » عن الانحرافات التي تصيب الموصي في وصيته عن سهو ، و « بالإثم » عن الانحرفات العمدية . عبارة « إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ » تشير إلى ما قد يقع فيه الوصي من خطأ غير عمدي